العز بن عبد السلام

355

شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )

فنادى بين ندماء الندامة رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] ، فتلقى بشير قربته بتفريج كربته فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [ البقرة : 37 ] . وأما الشقي إبليس فانطلقت إليه خيول اللعنة ، مطلقة الأعنة ، تبشره بطرده وبعده فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ الحجر : 34 ] ، ثم جاءهم مأمورا قُلْنَا اهْبِطُوا [ البقرة : 38 ] ، فتقلقل آدم قلقا ، وكاد أن يتمزق حرقا ، وقال : سيدي جرعت مرارة الصدود في الصعود ، فأعذني من حرارة القنوط في الهبوط . فقيل له : لا بأس عليك حتى تصل إلى مفرق فريقين فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [ الشورى : 7 ] . فأخذ آدم ذات اليمين ، وأخذ إبليس ذات الشمال ، فكان أصلا لأصحاب الشمال ، لكنهما لما اصطحبا واجتمعا ، فكان للصحبة أثر ، فكان محله من آدم وسيره معه مما يلي شماله ، فأثر ذلك على ما كان في أصله من الصفح الأيسر ، فبرحوا في ظل ظلمة مخالفته ، فكفروا بقربهم منه ومحاذاتهم له . وبقي من كان في الصّفح الأيمن في نور معرفة آدم ، فسلموا من ظلمة إبليس ، لبعدهم عنه . وأثر عليهم جوار من كفر [ بكفره ] " 1 " واستظلّوا بظلمة ضلاله ، وهم أهل الصفح الأيسر . وأثر ذلك في صفاتهم ، وسلمت لهم أنوار ذواتهم ومعارفهم ، فما يرتكبه أهل الصفح الأيمن من المعاصي والأوزار ، هو من أثر ذلك الجوار ، وأشعة ذلك الغبار . واعلم أنه كان لذلك الأثر أصل آخر ، وسبب آخر ، وهو أنه لما أمر اللّه - تعالى - بقبض القبضة التي خلق منها آدم عليه السّلام ، فهبط ملك الموت لذلك ، وكان إبليس يومئذ في الأرض ، قد استخلفه اللّه - تعالى - فيها مع جملة من الملائكة ، وقد مكث [ في الأرض ] " 2 " زمانا طويلا ، يعبد اللّه ، فقبض ملك الموت القبضة من سائر الأرض ،

--> ( 1 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ) . ( 2 ) ما بين [ ] ليس في ( ش ) .